free counters

الأحد، 5 يونيو 2011

أطلقوا سراح المستقبل

مقال بقلم







دكتور مهندس محمود القاضى
الاحرار 3/5/1982


أطلقوا سراح المستقبل

لا بنقطع الحديث هذة الايام عن خطة تنمية تخرج بنا مما نحن فية من أزمات وتصل بنا الى شاطىء الرخاء ( الموعود ) فقد كشفت المراجعة الشاملة لحالتنا الاقتصادية عن حجم ما يواجهنا من مشاكل ومقدار ما يقابلنا من تحد لا مناص من قبولة -- ولعلة ليس من المبالغة فى شيىء أن نقول ( أن أقتصادنا يقف وظهرة للحائط ).
هذة هى حالتنا وعلينا ان نعرف كيف ننطلق الى المستقبل ان افكارا كثيرة يجب ان تندثر وتختفى من حياتنا , وافكارا اخرى عظيمة لابد أن تاخذ مكانها فى عقولنا - كما أن أشياء كثيرة يجب أن تتغير - فلو ظلت أعيننا معصوبة نحو الماضى ( كما يريد البعض ) فى محاولة لاطالة أمد الماضى بلا طائل فلا أمل يمكن أن نرجوة - أما اذا أتجهت ألانظار صوب أفق جديد ينبغى أدراكة فأن الحرية والقوة وطاقة الخلق وقدرة الذكاء يمكن أن تصنع الباقى فنبدأ المسيرة - أشياء كثيرة يجب أن تحدث حتى يصبح طريق المستقبل مأمونا .
ان أشخاصا كثيرون عليهم أن يعرفوا أن العهد الذى أوشك أن يولد ليس عهدهم فالذين صنعوا الفشل لا يمكن أن يقودوا النجاح فعليهم أن يتنحوا عن الطريق ليتسع للشعب الذى علية أن يدخل الى التاريخ .. ماضى أنتهى ويطلق سراح مستقبل عظيم - فاقتصادنا الذى يقف وظهرة للحائط ليس أمامة الا ان ينطلق الى الامام فى ايقاع مرسوم وفق تخطيط دقيق يقودة قطاع عام قوى وقادر يعاونة قطاع خاص منتج تكفل لة الدولة أسباب الطمأنينة وتيسر لة العمل فى شرف وأمانة -
ولما كان الاجماع قد أنعقد على أن التنمية الشاملة هى طريقنا الى المستقبل فعلينا أن نبنى خططنا على أن العامل الاول فى كل تنمية هو الانسان نفسة - فالتنمية هى فى المحصلة النهائية عملية ذهنية تبدأ بموقف عقلى , ونجاح أى عملية تنمية يقاس فى النهاية بمستوى الوعى وبمستوى المسئولية اللذين يرفع اليهما الاشخاص الذين تتوجة اليهم هذة التنمية .
هذا الانسان الذى يشكل الركيزة الاساسية لاى عملية تنمية لابد أن يوفر لة الجو الذى يستطيع أن يعطى فية أقصى ما عندة مستخدما قدرتة الذهنية - التى تشكل موارد بلا حدود - ليصل الى قمة الابداع .

وفى مطلع عهد جديد نستشرفة هذة الايام لابد أن يشعر الانسان بالطمأنينة والثقة , ولا تنطلق طاقات الانسان الخلاقة المبدعة ألا فى جو من الحرية لا يوفرة الا حكم ديمقراطى سليم - ولا يكفى أن نردد ليل نهار أننا دولة ديمقراطية وأننا نكن للديمقراطية أعظم الحب وأكبر الولاء - فالديمقراطية ليست معنى مجردا بل نظام للحكم يتميز بقواعد أساسية ثابتة لا تتغير .
وأول أصل ثابت للديمقراطية باعتبارها حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب بأكملة , هو ايجاد مراكز الموائمة بين السلطة والحرية , اذ يتعين - مهما تعددت صور التطبيق - ألا تطغى السلطة على الحرية , بل يجب صيانة الحرية أزاء السلطة فاذا تخلفت الحرية وأهدرتها السلطة ظهرت الدكتاتورية وأختفت الديمقراطية , واذا كانت الحرية هى أساس الديمقراطية فأنة يتعين التساؤل عن كيفية ممارسة الحرية بالنسبة للسلطة ولاشك أن وجود الاحزاب السياسية الحرة التى تملك من امكانيات البحث والتحليل والتقييم ما يمكنها من ممارسة الرقابة على سلطات الدولة هى أحدى الضمانات الاساسية للديمقراطية .
وهكذا فان قيام الاحزاب السياسية بلا قيود - غير أرادة الشعب - ضمان لا غنى عنة لممارسة الحرية السياسية وقبام المعارضة فى مواجهة الحكومة والمعارضة لا تقل أهمية فى عملها عن عمل الحكومة نفسها , فهى تقف قوية مؤثرة - لا موقف المتربص - ولكن موقف الرقيب الامين على مصالح الشعب على أنة يجب أن يكون فى أستطاعتها - عند الضرورة أن تسقط الحكومة اذا حادت عن الصواب - ومن ثم تكون صمام الأمان تكشف الاخطاء وتوقف الحكومة دونها -
ومهما أختلفت المفاهيم فى شأن الديمقراطية فلا خلاف على أن أى نظام ديمقراطى لابد أن يقوم على كفالة ممارسة الانسان الحقوق السياسية بكافة أشكالها ... وتاريخ الشعب المصرى وحضارتة وتضحياتة فى سبيل الحكم الديمقراطى تاريخ عريق وبالتالى فأن أمتهان لهذا الشعب أن يتحدث أحد عن عدم قدرتة أو أهليتة لممارسة الديمقراطية ممارسة كاملة والتمييز بين الحر والزائف من صياغاتها وأشكالها .
ان قانون الاحزاب القائم يجب أن يلغى لتتمكن كل القوى الوطنية من أقامة أحزابها العلنية والدعوة الى حرية قيام الاحزاب بلا قيود -- غير ارادة الشعب - لا يمكن أن تؤدى الى تفتيت الوحدة الوطنية - يل هى فى الحقيقة دعوة الى دعم هذة الوحدة عن طريق اشتراك كافة أفراد الشعب فى ممارسة العمل السياسى بصورة فعالة وأبداء آرائهم وضمان حقوقهم كما أن هذة الدعوة ليست محاولة لضرب الاغلبية وأنما على العكس تماما تسعى الى تأكيد الأغلبية عن طريق الاختيار الواعى المدروس - وضمان أشتراكها الفعلى فى أدارة شئون الحكم ورقابتها الفعالة .
فأذا كان قيام الاحزاب السياسية لة كل هذة الاهمية لتثبيت دعائم الديمقراطية فليس من المتصور أن تبقى نصوص قانون الاحزاب التى تجعل قيام أى حزب جديد خاضعا لارادة الحزب الذى يحكم لان الامر متوقف على موافقة لجنة الاحزاب التى تشكل من أغلبية من الوزراء وغيرهم من رجال الحكومة ومن عدد آخر من الشخصيات العامة تعينة سلطة الدولة وبالتالى فهو خاضع لها فاذا أعترضت هذة اللجنة - وهى لابد معترضة على قيام أى حزب معارض - فأن مؤسسى الحزب لا يكون أمامهم الا اللجوء الى محكمة نصف أعضائها من رجال القضاء والنصف الآخر تعينهم الدولة فيكون المؤسسون ( كالمستجير من الرمضاء بالنار ) وليس أدل على صحة كلامى من أنة بعد أن تم تعديل الدستور لينص على حرية قيام الاحزاب , فأن حزبا واحدا جديدا لم يتيسر لة القيام اليس هذا عجيبا ؟!!
وجهاز المدعى العام الاشتراكى فضلا عما يحققة من أزدواج قضائى يثير الارتباك والخلل , فأن لة حق الاعتراض على المرشحين لأى منظمة شعبية , حتى الاندية الرياضية , وليس أمام من يعترض علية ألا أن يلجأ الى محكمة القيم التى يعين نصف أعضائها بمعرفة السلطة من شخصيات عامة - كل هذة قيود على حق دستورى مقرر ولا جدال فية , بل هو واجب وطنى طبقا للدستور .

وقانون العيب الذى يعاقب على هلامية غير محددة يتعارض تماما مع ما ينص علية الدستور من أن حرية الرأى مكفولة , وأن لكل أنسان التعبير عن رأية ونشرة بالقول أو الكتابة , أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير .
وتحقيقات المدعى الاشتراكى مع السياسيين المعارضين والتى كانت تتناول عقائد الناس وآرائهم وتخترق عقولهم وتسألهم عن سنى طفولتهم وعلى دقائق مبادئهم وحياتهم , هذة كلها تتنافى مع أبسط حقوق الانسان
وقانون الطوارىء الذى يحظر على الانسان أن يلجأ الى قاضية الطبيعى ويسمح بتقييد حريتة دون أن يكون لة حق التظلم ألا لمن قيد حريتة - أنة أعتداء على الدستور وعلى المنطق .
وقوانين أخرى كثيرة تفتقت عنها عقول يجب أن تترك أماكنها لأنها بلغت الحد الذى لا تستطيع عندة أن تتغير - كل هذة القوانين لابد أن تلغى أذا كان الحديث عن الحرية والديمقراطية صادقا وأمينا 0 ولا يخامرنى شك فى أنها ستلغى والى غير رجعة , وأن السجون ستفتح أبوابها ليخرج منها كل من لم يقدم للمحاكمة أمام القضاء بجرم محدد , وأكاد ألمح فى أفق قريب - بل قريب جدا - دستورا جديدا يمنع أى تركيز فى السلطة بما يوقف أى انسان تجاوز حدودها المرسومة .
وأكاد ألمح الدستور وقد خلا من النص على المدعى الاشتراكى فيلغى هذا المنصب - ولابد أن توضع نصوص جديدة ناصعة مضيئة تضمن حرية حقيقية وكاملة للصحافة فتمارس دورها الكبير فى دعم الحرية والديمقراطية -- ونصوص أخرى تنير حياتنا وتضمن حرياتنا -
عزيزى القارىء -- هل ترانى أسرفت فى الخيال !! أبدا -- ليس هناك خيالا - انة الطريق الوحيد الذى يجب أن نسلكة

ان شعبنا يتمتع بحرية كاملة غير منقوصة , فهو الذى يستطيع أن يبنى بلدنا وأن يفك المستقبل من أغلالة فتنطلق مصر - بأذن الله - بجهد أبنائها - الى قدرها العظيم .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق