free counters

الثلاثاء، 7 يونيو 2011

مفاجأة طال أنتظارها

هذا آخر مقال كتبة الدكتور محمود القاضى قبل وفاتة  لم يكن يشغلة حتى آخر لحظاتة سوى قضايا الوطن لقد كان عقلا متوهجا ... وسياسيا بارعا .... تبنى قضايا الحرية والديمقراطية ودافع عنها بكل ما أوتى من قوة .. كان عملاقا شامخا . رحمة الله رحمة واسعة وأدخلة فسيح جناتة .

مقال بقلم دكتور مهندس محمود القاضى
1/11/1982. الاحرار
                               مفاجأة طال أنتظارها
فجأة وبسرعة مذهلة، أعلن المدعي العام الاشتراكي ما تم من التحفظ على أموال وأملاك عصمت السادات – شقيق رئيس الجمهوري السابق – وزوجاته الأربع وأولاده الستة عشر. ولاشك أنها كانت مفاجأة طال انتظار الناس لها بعد أن كان قد تملكهم اليأس من أن تمتد يد القانون لتمسك بعصمت السادات وأمثاله، وهم كثيرون، نموا وترعرعوا في ظل الانفتاح – المسكين – الذي فهموه على أنه تصريح بالربح الحرام.
وطوال ثماني سنوات لم يجرؤ أحد على التعرض لعصمت السادات أو الوقوف في طريقه، فمضى يجمع الملايين بلا رقيب أو حسيب… وقد تعود الناس أن يسمعوا عما يفعله طوال هذه السنين.. كلنا سمعنا عن أشخاص وشركات وقعت في براثن عصمت السادات.
والذي يقرأ ما أذاعه المدعي العام الاشتراكي تتملكه الدهشة وتأخذه الحيرة. كل هذه الأفعال؟ .. حتى النصب وفرض الأتاوات !! من كان يتصور أن هذا كله يمكن أن يحدث على مرأى وسمع من السلطات.. كل سلطات الدولة! حتى لقد قيل أن كبار المسئولين قد عاونوه وتستروا عليه بحجة أنهم لم يجرءوا على مواجهة شقيقه – الرئيس السابق – بأمر ما يقوم به شقيقه من مخالفات، بعد أن علموا أنه كان يغضب غضباً شديداً على كل من يكشف له عن مخالفات وانحرافات شقيقة، فاستمروا في مساعدة عصمت السادات بعد أن تأكد لهم أن الرئيس السابق كان يرفض اتخاذ إجراءات عنيفة ضد شقيقه كتقديمه للمحاكمة أو إحالة مخالفاته للتحقيق، وإنما كان يكتفي بتحذيره أو إصدار قرارات احتياطية بمنعه من دخول ميناء الإسكندرية أو المنطقة الحرة ببورسعيد أو منعه من السفر الى الخارج.
وهكذا تعاون معه كبار المسئولين وسهلوا له ما ارتكب من آثام. ووصل الأمر الى أن وزير الداخلية السابقة – النبوي إسماعيل – قد خصص حراسة خاصة لعصمت السادات وعائلته وصل عددها الى 250 حارساً لحمايتهم وهم ينشرون الفساد في الأرض فأصبحت الجرائم والمخالفات وفرض الإتاوات كلها تتم في حماية الشرطة.
ولم يكن عصمت السادات نبتاً شيطانياً، بل إنه نتاج عهد ساد فيه جو خال من القيم السامية.. قيم النزاهة والشرف والرزق الحلال. فصارت قيمة العهد الوحيدة هى (المال) بأى وسيلة المهم أن يجمع الشخص أكبر قدر من المال.. كيف؟ لا يهم!.

ولم يكن عصمت السادات حالة فردية خاصة به أو بأسرته، بل كان ظاهرة كاملة أنبتتها قيم ذلك العهد.. وأدرك عصمت السادات جوهر القيم الجديدة ففعل ما فعل في جو مناسب. أتذكر سيدي القاري ما كان سائداً منذ عام 1974 حينما بدأ عصمت السادات؟ كان كل حديث عن الانحراف يعتبر في نظر الحكومة تشهيراً وظلماً وعدواناً لابد من قمعه وقتله في المهد.
أرأيتم كيف بدأ الفساد وكيف ترك وشأنه – فهو على هامش السيرة! وكيف كبر ونما وتضخم فأصبح كابوساً مخيفاً ينهب أقوات الشعب؟
أرأيتم كيف يتحدث رئيس مجلس الوزراء سعيداً بأن الفساد ناتج عن النشاط الاقتصادي؟
أرأيتم كيف يجرؤ فيقول إن الحديث عن الفساد في مجلس الشعب أو الصحف – ليس إلا حرباً على سياسة الانفتاح الاقتصادي؟
أرأيتم كيف كان الفساد لا يهم ولا يعنيه فهو قلة قليلة.
كان هذا ما يقال عن الفساد، فلا عجب إذا سمعنا عن رشاد عثمان وتوفيق عبد الحى وأخيراً – وليس أخراً – عن عصمت السادات.
وتأكدت المفاهيم التى أعرب عنها رئيس مجلس الوزراء عندما قال رئيس الجمهورية السابق  ( إن البلاد ليس فيها فساد وأن الفساد موجود في عقول من يتحدثون عنه! .). أسمعتم؟ لا يوجد فساد فنحن في جنات عدن!
وكانت حركة الفساد واضحة لى في ذلك الوقت ففي عام 1975 قلت في مجلس الشعب إن الأبناء الصغار للحكام أصبحوا ينشئون الشركات ويفتحون مكاتب الاستيراد والتصدير وكأنما الذكاء مقصور عليهم وطالبت بوقفهم عند حدهم وأسميتهم ( العباقرة الصغار ) لقد أغضب حديثي هذا الحكومة أشد الغضب؟


وعندما تحدثت عن صفقات مريبة كصفقات الحديد والأسمنت التى تمت بمعرفة المهندس عثمان أحمد عثمان – وزير التعمير في ذلك الوقت – وجهت له استجواباً بشأن هذه الصفقات. ثم عدت ووجهت لعثمان 26 اتهاماً محدداً يكفي كل واحد منها لاسقاط حكومة – على حد ما عبر به أحد الأعضاء في المناقشة – وأحيلت الى لجنة لبحثها. وقبل أن تبدأ اللجنة عملها حضر رئيس الجمهورية السابق الى مجلس الشعب وراح يصيح بأعلى صوته مستنكراً ما اتهمت به المهندس عثمان الى أن قال ( أنني إنما كنت أقصده – السادات – هو وأولاده ) الى هذا الحد مدافعاً عن عثمان!! ومضت الأيام فزاد الفساد وطغى بعد أن اطمأن الى حماية مضمونة. ثم قلت عن وجود 500 مليونير عام 1975 فقامت الدنيا ولم تقعد وتحدث الرئيس في مجلس الشعب مكذباً ما قلته، ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى أصبح الخمسمائة مليونير 17000 (سبعة عشر الفاً) طبقاً لتقديرات مصلحة الضرائب. وتحدث غيرنا عن القطط السمان فلم يعجب كلامهم الحكام وتركت هذه القطط وتحولت الى أفيال ضخمة بعد أن نهبت أموال الشعب… وتعالت صيحاتنا في مجلس الشعب نحذر من الفساد الزاحف والانحراف الذي لا يقف عند حد فاختراعوا كلمة (التشكيك) تلك العبارة التى راحوا يهددون بها كل من يتحدث عن الفساد ووصل الأمر أنني عندما تقدمت عام 1979 باستجواب لرئيس مجلس الوزراء – دكتور مصطفى خليل – عن الزيادة الضخمة في تكلفة نفق الشهيد أحمد حمدي، والذي تولى الرد على في وزير الاسكان والتعمير الحالي. وبعد أن بينت مدى الانحراف فيما تم من انفاق على المشروع حيث زادت قيمة العقد الذي حرر بعد مناقصات عالمية من حوالي ثلاثين مليون جنيه الى 105 ملايين.. وكانت الزيادة بلا مبرر وبلا سبب معقول وبناء على معلومات خاطئة قدمها وزير التعمير للجنة العليا للتخطيط ودفعت الأموال الى شركة (عثماك) وهى شركة قطاع خاص، انتهت وأصبح لا وجود لها
ووقف الوزير ليرد على استجوابي بعد أن شرحته فراح يقول (التشكيك) التشكيك.. يشككون في مصر!! وما كنت أشكك في مصر بل كنت أتهم تصرفات أضاعت على الدولة عشرات الملايين من الجنيهات.



وهكذا فبدلاً من أن تأخذ الأمور مجراها المستقيم كان يتم تستر كامل على وقائع الفساد والانحراف بلا خجل أو حياء ومازلت أتحدى أن تعرض اتهاماتي لعثمان أحمد عثمان على لجنة قضائية محايدة ووقتها سنرى كيف ربما الفساد.
في هذا الجو الخانق المريب، ظهر عصمت السادات ورشاد عثمان وتوفيق عبد الحى تلميذ المهندس عثمان أحمد عثمان الذي يعترف في كتابه (تجربتي) أنه كان وراء الغاء الرقابة الإدارية؟؟   لقد مرت بمصر فترة أديرت فيها أمورها أسوأ إدارة وغض فيها الطرف عن الفساد، فراح ينخر في عظام الوطن بلا رحمة ولا شفقة وأصاب الناس إحباط شديد وهم يرون أموالهم تنهب نهباً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق