- مقال - بقلم دكتور مهندس : محمود القاضى
- الاخبار -- فى 17 - 1 - 1982
- خطة قومية للتدريب
- أن مشكلة الانتاج لا تحل بمجرد النجاح فى تكوين رأس المال واستيراد المعدات والخامات بل أن نجاح خطط التنمية يتوقف الى أبعد حد على الافراد الذين سيعملون فى المشروعات والمصانع .. قد أدى النقص فى العمالة الماهرة الى هبوط واضح فى انتاجية القوى العاملة .. وهو الأمر الذى تعانى منة شركات القطاع العام ... بل أنة أحد المعوقات الرشيسية التى تقف فى وجهها ... ومن المؤكد أن أحد الضمانات الرئيسية لنجاح التنمية الاقتصادية هو أن تتوافر لمشروعاتها العمالة الماهرة المدربة .
- الطلب الخارجى على العمالة الماهرة :
- وتعتبر مصر فى مقدمة الدول النامية التى تتوفر فيها الموارد البشرية بشكل واضح - وحتى لا تصبح الزيادة السكانية المطردة عبئا على الاقتصاد القومى بما تؤدى الية من زيادة فى الاستهلاك فمن الواجب أن يحسن أستخدامها فى أطار خطط متكاملة للقوى العاملة مرتبطة أرتباطا وثيقا بخطط التنمية .... وفى تخطيط هذة القوى يجب أن يراعى التوازن بين العرض والطلب من قوى العمل -- سواء كان طلبا داخليا أو خارجيا ...
- فلا يمكن لأى مخطط للقوى العاملة فى مصر أن يهمل الطلب الخارجى عليها , والذى زاد فى السنوات الأخيرة زيادة ضخمة مما أدى الى نقص خطير نعانى منة فى جميع مواقع الانتاج والخدمات - فقد خرج عدد لا يستهان بة من أمهر العمال فى شتى المهن فى سيل عارم الى الدول العربية ومعهم عدد كبير من الفنيين والمهندسين وغيرهم -- كما هاجر عدد آخر الى دول مختلفة -- وتمثل هذة العمالة نسبة كبيرة من اجمالى الطلب على العمالة الماهرة - ومن المتوقع أن تزيد فى السنوات القادمة بسبب ما تقوم بة الدول العربية البترولية من مشروعات للتنمية والتعمير ولن ينقطع هذا السيل فى أتجاهة للخارج مادامت الأجور التى يتقاضونها هناك تمثل عنصر أغراء قويا فى حين أن الأجور فى مصر لمثل هؤلاء العمال المهرة أقل بكثير من أن تعمل على أبقائهم فى الداخل .
- ومن الواضح أن سياسة الدولة الآن قائمة على عدم الحد من خروج المصريين نظرا لما يقومون بتحويلة للداخل من عملات أجنبية نحن فى أمس الحاجة اليها - فهى تشكل أكبر مورد للعملات الاجنبية فى الوقت الحالى
- أتفاقات مع الدول المستوردة للعمالة :
- ويستلزم تحديد الطلب الخارجى على العمالة المصرية عقد أتفاقات مع كل الدول المستوردة لها على أن تحدد هذة الأتفاقات أحتياجات هذة الدول من حيث التخصصات ودرجة المهارة لمدة زمنية محددة لا تقل عن ثلاث أو خمس سنوات -- وستساعد هذة الاتفاقات على الوفاء بهذة الاحتياجات دون أخلال بالاحتياجات الداخلية -- كما ستؤدى الى الحفاظ على حقوق العمال المصريين وتمنع قبولهم لأجور تقل عن أجور أمثالهم من الجنسيات الأخرى ( وهو الأمر الذى يحدث الآن ) وبذلك تزيد تحويلاتهم لمصر , ولاشك أن ضبط العمالة بالخارج سيؤدى الى ضبط الطلب الكلى مما يؤدى بدورة الى امكان التخطيط السليم لوسائل ونظم التعليم والتدريب الذى سيؤدى الى توفير العمالة الماهرة .
- التعليم والتدريب :
- ومن هنا فأن سياسات التعليم يجب أن تكون هى الترجمة الطبيعية لسياسات ومؤشرات خطط القوى العاملة التى تحقق التعادل بين العرض والطلب الأمر الذى مازالت سياسات التعليم قاصرة عن تحقيقة -- ومن الضرورى أن ترتبط وتتناسق هذة السياسات مع خطط التدريب التى تحقق استجابة هذا التعادل للمستويات الفنية المطلوبة ..
- وبداءة يجب العمل على الأهتمام الكامل بمرحلة التعليم الأبتدائى باعتبارها الأساس لجميع مراحل التعليم والتدريب الأخرى -- وذلك بالعمل على منع التسرب أو الأرتداد الى الأمية بعد الأنتهاء من هذة المرحلة -- على أنة يجب التفرقة بين مشروعات التدريب ومشروعات التعليم العام -- فالتعليم يكسب الفرد المعلومات والمهارات الأساسية اللازمة لحياتة -- كمقدرتة على التعبير والكتابة والتصرف - بينما يقوم التدريب ياستكمال هذة القدرات والمهارات وفقا لمطالب العمل الفعلية -- وتشترك سياسة التدريب مع سياسة التعليم فى التعرف على الأفراد الصالحين وتوجيههم حسب ماتسمح بة قدراتهم وملكاتهم -
- مجلس قومى للقوى العاملة :
- ومن المهم أن ننظر الى التدريب على أنة فى حد ذاتة عملية أنتاجية من الدرجة الأولى -- فهى تتناول القوى البشرية وتنمى مهاراتها وقدراتها وتعمل على أعداد الأفراد بحيث يؤدون على خير وجة ما يقومون بة من أعمال -- ومن الواضح أن تقدير احتياجات المستقبل من العمالة الماهرة فى شتى المهن والأعمال ليس بالأمر اليسير حيث أنها ترتبط بتطور المعدات وطرق الأنتاج -- كما أنها ترتبط فى نفس الوقت بمشاعر الأفراد والظروف التى يعيشون فيها مما قد يفقد بعضهم الحماس ويقعد بهم عن مواصلة التقدم عن طريق التدريب - كما يحتاج الأمرر الى حصر ومعرفة تفصيل الأحتياجات المختلفة وتوصيفها بدقة وبساطة مما يستلزم عمل دراسات لجميع المهن والأعمال وتحديد ما يلزم من كل منها طبقا لمطالب الأعمال نفسها - وتحتاج هذة العملية الى تقسيم المهن والأعمال الى فصائل ومجموعات -- كما يقتضى الأمر معرفة تامة بما هو موجود فى كل تخصص من التخصصات وما ستدعو الية الحاجة فى المستقبل فى كل منها -- ومن المهم أن يتم تحديد مواصفات المهن والأعمال بشكل دقيق بحيث يسهل اجراء التحليل والتقييم وأنتقاء الأفراد الصالحين بشكل مناسب مما يسهل أعداد وتدريب أنسبهم للمهن المختلفة - ونحتاج هذة العملية الى أحصاءات من مختلف المصادر فى الدولة وتقديرات من الجهات التى ينتظر أن يعمل فيها هؤلاء الأفراد بحيث تتركز كل المعلومات فى جهة واحدة يمكنها أستخلاص النتائج المنتظرة --
- كل هذا يتطلب قيام جهاز كفء على أعلى مستوى يعمل فى تعاون تام مع جميع أجهزة الدولة وعلى رأسها جهاز التخطيط وفى هذا أقترح أنشاء ( مجلس قومى للقوى العاملة ) تعاونة لجان متخصصة تساعدة فى رسم خطط العمالة والتدريب المتطورة دائما .
- خطة التدريب :
- أن القيام بعملية التدريب الواسعة التى نحتاج اليها يتطلب وضع خطة طويلة الأجل تنفذ فى أحكام وتؤدة ويحتاج التدريب الى توفير المعلم أو المدرب المناسب الذى يشكل الأساس فى النجاح ولما كان هناك نقص كبير فى هذة الفئة فمن الطبيعى أن تكون أولى خطوات تنفيذ برامج التدريب هى أعداد هؤلاء المعلمين الذين يمكن أن يتم أختيارهم من البداية من بين المعلمين الحاليين فى مراكز التعليم القائمة وغيرها ومن بين خريجى الجامعات أو من بين الأفراد المهرة أو خريجى المعاهد والمدارس الفنية -- كما يجب أعداد مراكز نموذجية لتخريج اللاعداد اللازمة منهم على أن تعد لهم حوافز مشجعة عند تخرجهم كالمرتبات المجزية وأيضا أيفاد النابغين منهم فى بعثات الى الخارج ويمكن الاستعانة بخبراء أجانب لتعليم هؤلاء المعلمين - والى جانب ما لدينا من برامج للتدريب يتم على أساسها العمل الآن فى المراكز القائمة فأنة يمكن الأستعانة ببرامج التدريب من الخارج للاستفادة بالخبرة المتقدمة فى هذا المجال الحيوى.
- سرعة التدريب وتقسيم العمل :
- ونظرا للنقص الخطير فى العمالة الماهرة المدربة فمن الضرورى أن تتبع فى نفس الوقت سياسة قصيرة الأجل للانقاذ السريع الذى يجب ألا يعوق السير فى الخطة الشاملة طويلة الأجل وللاسراع فى برامج التدريب وتنشيطها يحسن دراسة المهن والاعمال بقصد تقسيم العمل الى مراحل ومستويات فنية متفاوتة تتفق مع مقدرة الافراد ومع التوسع فى الاستجابة لمطالب الأنتاج والخدمات .
- وتعد برامج التدريب وفقا لهذا التقسيم الذى يجعل من الممكن بلوغ درجة المهارة المطلوبة على نحو سريع حيث سيتم تدريب أكثر من فرد للعمل بدلا من تدريب شخص واحد لنفس العمل مما يحتاج الى درجة عالية من المهارة يستغرق أكتسابها وقتا طويلا وأستعدادا أكبر لدى العامل نفسة ... ولا ضرر أطلاقا من الابتداء بهذة الطريقة السريعة التى تعتمد على توزيع المهارة . كما يمكن تطبيقها لأعداد المعلمين أنفسهم , على أن هذا لا يبعدنا عن الهدف الاساسى الذى نسعى الية من ضرورة أستكمال مهارة الأفراد أو المعلمين وذلك فى سياسة طويلة المدى لمواجهة المستقبل .
- تحويل التدريب :
- وعلى المجلس القومى للقوى العاملة ( المقترح ) أن يلزم كل الجهات بنصيب كل منها فى خطة التدريب القومية التى يقوم بأعدادها , وفى ظل هذة السياسة تقيم جميع الجهات المعنية مراكز للتدريب ويقوم المجلس بالتنسيق بين جميع هذة الجهات منعا للتكرار الذى لا داعى لة فى التدريب نفسة أو فى سياسة أعداد المعلمين ... وعلى خطة التدريب أن تعمل على قيام جانب كبير من أنظمة التدريب على جهود المؤسسات والشركات كما تقوم الدولة بنشر نظم التدريب كالتلمذة الصناعية والاكثار من مراكز التدريب الاخرى وتوفير حاجتها للمال لاستيراد العدد والآلات والخبرة الفنية وأعداد مراكز التدريب والانفاق على المعلمين ومصروفات التدريب نفسها .. فأن أجهزة الدولة المختلفة والمؤسسات وسائر الشركات والمشروعات التى تستخدم أعدادا كبيرة من العمال عليها أن تتحمل نصيبا من المال اللازم للتدريب ولعلة من اللازم أن يصدر تشريع ملزم لكل هذة الجهات ينص على رصد جزء من ميزانيتها للتدريب بحيث يتناسب مع ما تدفعة من أجور ومرتبات .. وتقوم الدولة بالمساهمة فى هذة النفقات بنسبة تزيد بزيادة ما تدفعة هذة الجهات .. وهذا الأقتراح ليس جديدا ولا غريبا أذا تذكرنا أن هناك قانون يحتم على المؤسسات والشركات رصد نسبة معينة من ميزانيتها للانشطة الرياضية التى توفرها للعاملين فيها - كل هذا بالاضافة الى أنة يمكن الاستفادة من الامكانيات التدريبية التى تقدمها الدول الصديقة والجهات التابعة لهيئة الامم المتحدة حيث سيتم الاستفادة منها على أحسن وجة .
- ولا تنتهى عملية التدريب عند حد - بل أنها عملية مستمرة لأن التطور العلمى والتكنولوجى فى العالم يحتم على خطة التدريب أن تدخل فى أعتبارها مواصلة التقدم والتطور فى جميع مراكز التدريب .
الأربعاء، 15 يونيو 2011
بقلم د. محمود القاضى( خطة قومية للتدريب )
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق